العلامة المجلسي

230

بحار الأنوار

المياه العذبة . قال لهم ألا أنقلكم إلى عيشة أطيب مما أنتم فيه وأخصب ؟ فقالوا له : وما نصنع به ؟ إن عندنا في جزيرتنا هذه ما يغني جميع العالم ويكفيهم لو صاروا إليه وأقبلوا عليه ! قال : وما هو ؟ فانطلقوا إلى واد لا نهاية لطوله وعرضه وهو منضد من ألوان الدر والياقوت والزبرجد والبلخش والأحجار التي لم تر في الدنيا والجواهر التي لا تقوم ، ورأي شيئا لا يحتمله العقول ولا يوصف ، ولو اجتمع العالم على نقله أو بعضه لعجزوا ، فقال : لا إله إلا الله وسبحان من له الملك العظيم ويخلق الله مالا يعلمه الخلائق . ثم انطلقوا به من شفير ذلك الوادي حتى أتوا به إلى مستو واسع من الأرض به أصناف الأشجار ، وأنواع الثمار ، وألوان الأزهار ، وأجناس الأطيار ، وخرير الأنهار ، وأفياء وظلال ، ونسيم ذو اعتدال ، ونزه ورياض ، وجنات وغياض ، فلما رأى ذو القرنين ذلك سبح الله العظيم واستصغر أمر الوادي وما به من الجواهر عند ذلك المنظر البهيج الزاهر . فلما تعجب قالوا له : في ملك ملك في الدنيا بعض ما ترى ؟ قال : لا وحق عالم السر والنجوى . فقالوا : كل هذا بين أيدينا ولا تميل أنفسنا إلى شئ من ذلك واقتنعنا بما نقوى به على عبادة الرب الخالق ، ومن ترك لله شيئا عوضه الله خيرا منه ، فسرعنا ودعنا بحالنا ، أرشدنا الله وإياك . ثم ودعوه وفارقوه وقالوا له : دونك والوادي فاحمل منه ما تريد . فأبى أن يأخذ من ذلك شيئا . قال : ثم أتى ذو القرنين جزيرة عظيمة فرأى بها قوما لباسهم ورق الشجر ، وبيوتهم كهوف في الصخر والحجر فسألهم عن مسائل في الحكمة ، فأجابوه بأحسن جواب وألطف خطاب ، فقال لهم : سلوا حوائجكم لتقضى ، فقالوا له : نسألك الخلد في الدنيا . فقال : وأنى به لنفسي ؟ ! ومن لا يقدر على زيادة نفس من أنفاسه كيف يبلغكم الخلد ؟ ! فقال كبيرهم : نسألك صحة في أبداننا ما بقينا . فقال : وهذا أيضا لا أقدر عليه . فقالوا : فعرفنا بقية أعمارنا فقال : لا أعرف ذلك لروحي فكيف بكم ؟ فقالوا له : فرغنا نطلب ذلك ممن يقدر على ذلك وأعظم من ذلك . وجعل الناس ينظرون إلى كثرة جنوده وعظمة موكبه ، وبينهم شيخ صعلوك لا يرفع رأسه ، فقال له ذو القرنين : مالك لا تنظر إلى ما ينظر إليه الناس ؟ قال الشيخ : ما أعجبني الملك الذي رأيته قبلك حتى أنظر إليك وإلى ملكك . فقال :